لم يعد السؤال الأهم في الأمن السيبراني هو ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيغيّر طريقة اكتشاف الثغرات، بل إلى أي مدى تستطيع المؤسسات استيعاب المعدل المتسارع لاكتشافها.

بينما يدور النقاش داخل صناعة الذكاء الاصطناعي حول احتمالات إبطاء تطوير النماذج المتقدمة، هناك تحول آخر أقل افتراضية يحدث بالفعل: أدوات الذكاء الاصطناعي المتاحة اليوم، بما فيها النماذج التجارية والنماذج ذات الأوزان المفتوحة، أصبحت تساعد الباحثين على العثور على أعداد كبيرة من العيوب البرمجية بوتيرة لم تكن معتادة سابقًا.

هذه القفزة لا تعني بالضرورة أن البرمجيات أصبحت فجأة أكثر هشاشة. لكنها تعني أن القدرة على اكتشاف ما كان مخفيًا داخلها أصبحت تتوسع بسرعة أكبر من قدرة الفرق البشرية على التحليل، والإصلاح، والاختبار، والنشر.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.


#عندما يصبح اكتشاف الثغرات أسرع من إصلاحها

خلال الأشهر الأخيرة، ظهرت مؤشرات واضحة على أن حجم اكتشاف الثغرات والتحديثات الأمنية يرتفع بصورة غير اعتيادية.

ذكرت Microsoft أنها أصدرت تصحيحات لـ 974 CVEs خلال شهر واحد، وهو رقم قياسي جديد بحسب المصدر. وفي يوليو 2026، أصدرت Oracle ما مجموعه 1,448 تصحيحًا أمنيًا، مقارنة بـ 309 تصحيحات في يوليو 2025.

أما Google Chrome، فقد شهد إصداراه الرئيسيان خلال يونيو 1,072 تصحيحًا، وهو عدد يفوق مجموع إصلاحات الثغرات التي طُرحت عبر الإصدارات الرئيسية الثلاثة والعشرين السابقة مجتمعة.

وفي أبريل، قالت Mozilla إنها عثرت على 271 ثغرة في Firefox خلال حملة واحدة للبحث عن العيوب باستخدام نموذج Anthropic المسمى Mythos.

الجهة / المنتجالفترةالعدد المذكور
Microsoftشهر واحد974 CVEs
Oracleيوليو 20261,448 تصحيحًا
Oracleيوليو 2025309 تصحيحات
Google Chromeإصداران رئيسيان في يونيو1,072 تصحيحًا
Mozilla Firefoxحملة واحدة في أبريل271 ثغرة

هذه الأرقام لا تعبّر فقط عن تحسن أدوات الفحص، بل تكشف عن تغير في اقتصاد اكتشاف الثغرات نفسه. فالعمليات التي كانت تتطلب وقتًا طويلًا من التحليل اليدوي أصبحت قابلة للتوسّع باستخدام قدرات حسابية أكبر ونماذج تستطيع قراءة الشيفرة، وتحليل الأنماط، واقتراح مسارات فحص جديدة بسرعة عالية.


#أكثر من 66 ألف CVE: الرقم الكبير لا يروي القصة كاملة

وفقًا لجيري غامبلين، رئيس الأبحاث في Empirical Security ومؤسس RogoLabs التي تدير مشروع تحليل الثغرات cve.icu، وصل عدد سجلات CVE خلال العام إلى 66,401 حتى منتصف سبتمبر.

للمقارنة، كان المشروع قد سجّل 33,512 CVEs بحلول 16 سبتمبر من العام السابق، أي ما يقارب نصف العدد الحالي.

وفي عام 2022 بأكمله، وهو العام الذي أطلقت فيه OpenAI النسخة الأولى من ChatGPT، سجّل cve.icu نحو 25,000 CVEs.

هذه المقارنة توضح حجم التسارع، لكنها تحتاج إلى قراءة دقيقة.

الزيادة في عدد سجلات CVE لا تعني تلقائيًا أن العالم أصبح يحتوي على ضعف عدد الثغرات الفعلية. قد تعني ببساطة أن عددًا أكبر من العيوب الموجودة أصلًا أصبح معروفًا، موثقًا، ومعلنًا.

وهو ما لخّصه غامبلين بوضوح: ارتفاع عدد CVEs لا يعني بالضرورة ارتفاع عدد الثغرات بحد ذاته، بل ارتفاع عدد الثغرات المعروفة.

وهذه نقطة مركزية عند تقييم الوضع من منظور إدارة المخاطر.


#المشكلة ليست في الاكتشاف… بل في اختناق المعالجة

اكتشاف الثغرة هو بداية دورة العمل الأمنية، وليس نهايتها.

بعد العثور على خلل جديد، تبدأ سلسلة أخرى من المهام:

  • التحقق من قابلية الاستغلال.
  • تحديد المنتجات والإصدارات المتأثرة.
  • تطوير التصحيح.
  • اختبار التصحيح.
  • نشره على البيئات المختلفة.
  • التعامل مع الأنظمة التي لا يمكن تحديثها مباشرة.
  • قياس أثر التحديث على الأعمال.
  • التأكد من اكتمال المعالجة.

ومع تضاعف حجم الاكتشاف، لا تتضاعف قدرة فرق الأمن والتقنية بالسرعة نفسها.

هذا هو جوهر الاختلال الذي وصفه غامبلين:

“Discovery scales with compute. Remediation scales with people.”

أي أن اكتشاف الثغرات يمكن توسيعه بزيادة القدرة الحاسوبية، بينما تعتمد المعالجة بدرجة كبيرة على البشر والعمليات والوقت.

ومن هنا يصبح التحدي أقل ارتباطًا بعدد الثغرات الخام، وأكثر ارتباطًا بقدرة المؤسسة على تحويل المعرفة بالثغرة إلى خفض فعلي للمخاطر.


#الذكاء الاصطناعي غيّر جانبي المعادلة

النقاش حول الذكاء الاصطناعي في الأمن السيبراني يميل أحيانًا إلى تصويره كأداة هجومية أو دفاعية بصورة منفصلة، بينما الواقع أكثر تعقيدًا.

الباحثون الأمنيون يستخدمونه لتوسيع قدراتهم في اكتشاف العيوب وتحليل الشيفرات. والجهات الدفاعية تحاول استخدامه في التصنيف، والتحليل، وتسريع الاستجابة. وفي المقابل، يحاول المهاجمون أيضًا معرفة المواضع التي يمكنهم فيها الاستفادة من هذه الأدوات.

ماثيو أولني، مدير استخبارات التهديدات في Cisco Systems، لخّص هذه المرحلة بقوله إن الجهات المختلفة، بما فيها المهاجمون والقطاع الصناعي، ما تزال تحاول الإجابة عن السؤال نفسه:

“Where do I use AI?”

حتى الآن يبدو أن هناك توازنًا هشًا: الذكاء الاصطناعي يسرّع اكتشاف العيوب، لكنه يستطيع أيضًا مساعدة المدافعين. المشكلة أن هذا التوازن ليس مضمونًا، خصوصًا إذا أصبح إنتاج نتائج الفحص أسرع بكثير من قدرة المؤسسات على التحقق منها ومعالجتها.


#من منظور GRC: كثرة الثغرات تعيد تعريف معنى إدارة المخاطر

من زاوية الحوكمة والمخاطر والالتزام GRC، فإن تضخم عدد الثغرات يخلق مشكلة مختلفة عن مجرد زيادة نتائج أدوات الفحص.

المؤسسة لا تستطيع التعامل مع كل CVE بالطريقة نفسها. وجود آلاف النتائج الجديدة يفرض الحاجة إلى ربط البيانات التقنية بالسياق الفعلي للأعمال.

الثغرة تصبح ذات معنى عندما نعرف:

  • هل الأصل المتأثر مكشوف للإنترنت؟
  • هل النظام يدعم خدمة حرجة؟
  • هل توجد ضوابط تعويضية تحد من إمكانية الاستغلال؟
  • هل توجد نسخة مصححة متاحة أصلًا؟
  • هل يمكن تطبيق التصحيح من دون التأثير على الخدمة؟
  • هل توجد مؤشرات على استغلال فعلي أو نشاط هجومي مرتبط بالثغرة؟
  • ما حجم التأخير المقبول قبل أن يتحول الخطر التقني إلى خطر أعمال؟

وبالتالي، فإن نجاح برنامج إدارة الثغرات لا يُقاس فقط بعدد النتائج التي اكتشفها، بل بقدرته على ترتيبها، وتحديد أولوياتها، وتحويلها إلى قرارات تنفيذية قابلة للقياس.

الضغط الناتج عن تضخم الاكتشاف يجعل نماذج العمل التي تعتمد على معالجة القوائم الطويلة يدويًا أقل قابلية للاستمرار.


#لماذا لا تكفي عبارة “وجدنا ثغرات أكثر”؟

المركز الوطني للأمن السيبراني في بريطانيا NCSC لخّص المشكلة بعبارة مباشرة:

“Just finding vulnerabilities does nothing to improve your security.”

العثور على الثغرات لا يحسن الوضع الأمني وحده.

بل قد يتحول إلى عبء جديد إذا لم تكن المؤسسة تملك القدرة على استيعاب النتائج. آلاف التنبيهات دون مسار واضح للمعالجة قد ترفع الضوضاء التشغيلية، وتزيد تراكم الأعمال، وتجعل الفرق منشغلة بفرز النتائج بدل تقليل المخاطر الأعلى فعليًا.

ولهذا فإن الزيادة الحالية في اكتشاف الثغرات تكشف فجوة أساسية بين مرحلتين:

Vulnerability Discovery

و

Vulnerability Remediation

كلما توسعت الأولى آليًا وبسرعة، أصبحت الثانية هي عنق الزجاجة.


#ماذا يتغير داخل برامج إدارة الثغرات؟

الموجة الجديدة تعني أن نموذج “افحص ثم أصلح كل ما يظهر” لم يعد كافيًا في البيئات الكبيرة.

مع تضخم عدد النتائج، تصبح جودة السياق أهم من العدد نفسه. فبرامج إدارة الثغرات تحتاج إلى معرفة الأصول، وأهميتها، ومسارات التعرض، وحالة التصحيحات، وتأثير التغيير، قبل اتخاذ قرار المعالجة.

هذا يحوّل إدارة الثغرات من عملية تقنية منعزلة إلى وظيفة مترابطة بين:

Security Operations

IT Operations

Application Security

Asset Management

Risk Management

و

GRC

لأن قرار تصحيح ثغرة حرجة في نظام إنتاجي ليس قرارًا تقنيًا فقط؛ بل قرار مخاطر، واستمرارية أعمال، وتشغيل، والتزام.


#هل يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي صنع أزمة جديدة؟

ليس بالكامل.

الباحثون كانوا يكتشفون أعدادًا كبيرة من الثغرات قبل ظهور موجة أدوات الذكاء الاصطناعي الحديثة. كما أن ضعف تطبيق التصحيحات وتأخر الاستثمار في الأمن السيبراني منحا المهاجمين أفضلية منذ سنوات.

لكن المختلف اليوم هو معدل التوسع.

الذكاء الاصطناعي لا يخلق بالضرورة كل هذه العيوب، لكنه يقلل تكلفة اكتشافها ويرفع معدل الوصول إليها. وعندما تصبح عملية الكشف قابلة للتوسيع بالحوسبة، بينما تبقى عملية الإصلاح مرتبطة بالبشر والإجراءات والاعتمادات، يظهر عدم التوازن بسرعة.

ولهذا فإن الحديث عن “انفجار الثغرات” لا ينبغي فهمه على أنه انفجار في عدد الأخطاء البرمجية فقط، بل انفجار في قدرتنا على رؤيتها.


#المعضلة المقبلة: المعرفة الأمنية أصبحت أسرع من القدرة التشغيلية

التحول الأهم ليس أن نماذج الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على العثور على أخطاء جديدة فحسب، بل أن المعرفة بالثغرات أصبحت تنتشر بسرعة أكبر مما اعتادت عليه المؤسسات.

وكلما أصبح الاكتشاف أسرع، تقل قيمة الاستراتيجية التي تعتمد على الاستجابة المتأخرة.

المشكلة التي تواجه الفرق الأمنية اليوم ليست ندرة البيانات، بل وفرتها. ليست قلة التنبيهات، بل القدرة على معرفة أي منها يستحق التحرك أولًا. وليست فقط كيفية العثور على الثغرة، بل كيفية إغلاقها قبل أن تصبح جزءًا من سلسلة استغلال حقيقية.

حتى لو تباطأ تطوير نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة مستقبلًا، فإن القدرات الموجودة اليوم كافية بالفعل لتغيير سرعة البحث الأمني.

ولهذا قد يكون أهم تحدٍ في المرحلة القادمة أقل إثارة من سيناريوهات الذكاء الاصطناعي الكارثية، لكنه أكثر واقعية بالنسبة لفرق الأمن:

كيف ندير عالمًا يستطيع فيه الاكتشاف أن يتوسع بالحوسبة، بينما ما تزال المعالجة تتوسع بالبشر؟


#المصادر