تمكنت مجموعة قرصنة مرتبطة بإيران من إيقاف محطة لتوليد الكهرباء في بريطانيا لمدة أربعة أيام، في حادثة توصف بأنها من أنجح الهجمات السيبرانية التي استهدفت البنية التحتية للطاقة في المملكة المتحدة.
وبحسب المعلومات المنشورة، يُعتقد أن هذه هي المرة الأولى التي ينجح فيها مهاجمون مرتبطون بالنظام الإيراني في تعطيل منشأة بريطانية من هذا النوع بشكل كامل.
الحادثة لم تؤد إلى انقطاع واسع للكهرباء، لكنها تحمل دلالة أخطر بكثير من حجم المحطة نفسها.
المهاجمون أثبتوا، على ما يبدو، أن الوصول إلى أنظمة تشغيل منشأة طاقة داخل بريطانيا وتعطيلها لم يعد مجرد سيناريو نظري.
#أربعة أيام خارج الخدمة
لم تكشف الجهات البريطانية عن اسم محطة الطاقة المستهدفة لأسباب أمنية.
لكن المعلومات تشير إلى أن المنشأة توقفت عن العمل لمدة أربعة أيام، بينما عملت الفرق الفنية على استعادة الأنظمة وإعادة المحطة إلى الخدمة.
المحطة كانت صغيرة نسبيًا، لذلك لم يؤثر توقفها على شبكة الكهرباء البريطانية أو على القدرة العامة لتوليد الطاقة.
لكن من منظور الأمن السيبراني، حجم المنشأة ليس هو النقطة الأهم.
السؤال الحقيقي هو كيف تمكن المهاجمون من الوصول إلى بيئة تشغيل مرتبطة بالبنية التحتية للطاقة والوصول إلى مرحلة تعطيل التشغيل الفعلي.
#التوقيت يرفع مستوى القلق
الهجوم على المحطة البريطانية وقع في الفترة نفسها التي شهدت فيها الولايات المتحدة سلسلة هجمات استهدفت بنية تحتية للمياه.
تلك الهجمات أثرت على منشآت لمعالجة مياه الصرف في 12 ولاية أمريكية، وتسببت في بعض الحالات بفيضانات وانخفاض ضغط المياه.
واضطرت بعض الجهات المحلية إلى مطالبة السكان بغلي المياه قبل استخدامها للشرب.
ظهرت أولى التقارير عن الحوادث الأمريكية في ولاية مينيسوتا بتاريخ 26 يوليو، ثم ظهرت اختراقات مشابهة في ميشيغان وجورجيا وداكوتا الجنوبية ونيوجيرسي.
مكتب التحقيقات الفيدرالي FBI وصف المهاجمين بأنهم جهات سيبرانية خبيثة.
لاحقًا، أشارت مصادر حكومية أمريكية لوسائل إعلام إلى أن النشاط يُرجح أن يكون قد انطلق من إيران.
#هل كان الهدف إحداث ضرر حقيقي
حتى الآن لا توجد مؤشرات واضحة على أن الهجوم على محطة الكهرباء البريطانية كان يهدف إلى إلحاق ضرر مباشر بالمدنيين.
كما أن الحادثة لم تكن ملحوظة على نطاق واسع لدى الجمهور بسبب صغر حجم المنشأة المستهدفة.
لكن هناك احتمال آخر أكثر ارتباطًا بالرسائل الاستراتيجية.
قد يكون الهدف إثبات أن مجموعات مرتبطة بالحرس الثوري الإيراني قادرة على الوصول إلى أنظمة حساسة داخل بريطانيا وتعطيل منشآت حيوية عند الحاجة.
في عالم العمليات السيبرانية، إثبات القدرة قد يكون أحيانًا أهم من الأثر المباشر للهجوم نفسه.
امتلاك موطئ قدم داخل بنية تحتية حرجة يمكن استخدامه كأداة ضغط، أو كرسالة سياسية، أو كقدرة يتم الاحتفاظ بها لاستخدامها لاحقًا.
#لماذا لم يؤثر الهجوم على شبكة الكهرباء
توجد في بريطانيا عشرات محطات الطاقة الصغيرة المتصلة بالشبكة.
العديد منها يعمل بالغاز ولا يتم تشغيله إلا لساعات محدودة خلال الأسبوع.
قد تُستخدم هذه المحطات مثلًا عند انخفاض إنتاج طاقة الرياح أو عند الحاجة إلى قدرة إضافية لتغطية الطلب.
لذلك فإن توقف منشأة صغيرة لعدة أيام لا يعني بالضرورة وجود خطر مباشر على استقرار الشبكة الوطنية.
بعض المصانع والمستشفيات والمنشآت الأخرى تمتلك أيضًا مولدات مستقلة يمكن استخدامها عند الحاجة.
لكن هذا لا يقلل من أهمية الحادثة من ناحية الأمن السيبراني.
الهجوم الناجح على منشأة صغيرة يمكن أن يكشف ضعفًا في نماذج الحماية المستخدمة داخل قطاع كامل.
#البنية التحتية الحرجة أصبحت هدفًا يوميًا
الحادثة أُبلغ عنها، بحسب التقارير، إلى المركز الوطني للأمن السيبراني البريطاني NCSC.
المركز يمثل الواجهة العامة لوكالة الاستخبارات البريطانية GCHQ فيما يتعلق بالأمن السيبراني، ويقدم الإرشادات للجهات الحكومية والشركات لحماية الأنظمة والبنية التحتية الوطنية من التهديدات الخارجية.
وكالات الاستخبارات البريطانية والأمريكية حذرت مرارًا من أن البنية التحتية الحرجة أصبحت هدفًا مستمرًا لمجموعات مرتبطة بدول مثل روسيا والصين وإيران وكوريا الشمالية.
هذه الجهات تستهدف بشكل يومي المؤسسات الحكومية وشركات الطاقة والاتصالات والمياه والصناعة.
وفي السنوات الماضية تسببت هجمات سيبرانية مختلفة في تعطيل أنظمة تابعة لخدمات صحية ومدارس وشركات صناعية.
كما شهدت بريطانيا حوادث سرقة بيانات من شركات تجزئة، إضافة إلى اختراقات طالت سجلات انتخابية.
لكن تعطيل محطة لتوليد الكهرباء فعليًا يمثل مستوى مختلفًا من التأثير.
#إيران والاستفادة من القوة السيبرانية غير المتكافئة
الهجمات المرتبطة بإيران تصاعدت ضد دول غربية خلال الفترة الأخيرة، خصوصًا مع استمرار التوترات والصراع في الشرق الأوسط.
كما تم الإبلاغ عن نشاطات إيرانية مشتبه بها في ألمانيا وبولندا وفنلندا وبلجيكا وألبانيا.
ومع ذلك، ما تزال إسرائيل ودول أخرى في الشرق الأوسط من أكثر الأهداف تعرضًا لهذا النوع من العمليات.
في مارس، طالب المركز الوطني للأمن السيبراني البريطاني المؤسسات بمراجعة إجراءاتها الأمنية في ضوء التطورات الإقليمية.
وفي يونيو، قال الرئيس التنفيذي للمركز Richard Horne إن الجهة تعاملت مع أكثر من 200 هجوم استهدف البنية التحتية الوطنية الحرجة خلال العام السابق.
هذا الرقم وحده يوضح أن استهداف القطاعات الحيوية لم يعد حدثًا استثنائيًا.
بل أصبح جزءًا من المشهد اليومي للتهديدات السيبرانية.
#إيران لا تحتاج إلى التفوق التقليدي
لجنة الاستخبارات والأمن البريطانية كانت قد أشارت سابقًا إلى أن الحرب السيبرانية تمثل مجالًا مهمًا من مجالات القوة غير المتكافئة بالنسبة لإيران.
بمعنى آخر، الدولة لا تحتاج إلى امتلاك القدرات العسكرية التقليدية نفسها التي تمتلكها خصومها حتى تتمكن من التأثير عليهم.
الهجمات السيبرانية تمنحها وسيلة أقل تكلفة وأكثر مرونة لتنفيذ عمليات تجسس أو تخريب أو ضغط سياسي.
وبحسب التقارير، تنفق إيران عشرات الملايين من الدولارات على مجموعات قرصنة تضم مئات الأفراد.
هذه المجموعات تستطيع تنفيذ عمليات طويلة المدى ضد أهداف حكومية وتجارية وصناعية في دول مختلفة.
#الذكاء الاصطناعي يخفض تكلفة الهجوم
تقييم رسمي للمخاطر نشره مكتب مجلس الوزراء البريطاني أشار إلى أن احتمال وقوع هجوم سيبراني خطير وناجح ضد البنية التحتية المحلية يتراوح بين 5 و25 في المئة.
لكن التقييم حذر أيضًا من عامل إضافي بدأ يغير طبيعة الهجمات.
الذكاء الاصطناعي قادر على أتمتة أجزاء كبيرة من عملية الهجوم السيبراني.
وهذا يعني تنفيذ عمليات الاستطلاع والبحث عن الأهداف وتطوير الأدوات بشكل أسرع وأكثر كفاءة.
كما أنه يخفض مستوى الخبرة المطلوبة لدخول بعض المهاجمين إلى هذا المجال.
النتيجة المحتملة هي زيادة عدد الهجمات واتساع نطاق الجهات القادرة على تنفيذها.
#الحكومة البريطانية تحاول طمأنة قطاع الطاقة
بعد الحادثة، أطلعت الحكومة البريطانية الرؤساء التنفيذيين لشركات الطاقة على التفاصيل، كما أرسلت إرشادات إلى عدد من الشركات تتضمن خطوات وتوجيهات للتعامل مع المخاطر.
مصدر حكومي أوضح أن هناك حدودًا تنظيمية تلزم بعض مولدات الطاقة المهمة بالإبلاغ قانونيًا عن الأنشطة السيبرانية.
لكن المنشأة المستهدفة صغيرة جدًا مقارنة بسعة شبكة الكهرباء البريطانية.
ووصف المصدر حجمها بأنه أقل من أن يشكل أثرًا ملحوظًا على قدرة الشبكة.
الحكومة البريطانية أكدت أيضًا أن نظام الطاقة في البلاد يتمتع بدرجة عالية من المرونة.
وأضافت أنها تعمل بشكل مستمر مع قطاع الطاقة لحماية البنية التحتية وضمان تطبيق معايير أمن مرتفعة.
وبحسب التصريح الرسمي، لم يكن هناك في أي لحظة خطر على نظام الطاقة البريطاني الأوسع.
#الخطر الحقيقي ليس في حجم المحطة
قد تبدو الحادثة محدودة عند النظر فقط إلى حجم المنشأة أو مدة توقفها.
لكن من منظور الأمن السيبراني، الحادثة تحمل رسالة مختلفة.
إذا تمكن مهاجم من الوصول إلى بيئة تشغيل صناعية وتعطيل منشأة طاقة فعلية، فإن الحديث لم يعد عن سرقة كلمات مرور أو تسريب قاعدة بيانات.
نحن هنا نتحدث عن انتقال الهجوم من العالم الرقمي إلى التأثير الفيزيائي.
وهذا هو الخط الفاصل الذي يجعل الهجمات على أنظمة OT وICS أكثر حساسية من كثير من الهجمات التقليدية.
الاختراق قد يبدأ برسالة تصيد أو حساب مسروق أو خدمة مكشوفة على الإنترنت.
لكن نهايته قد تكون إيقاف مضخة، أو تعطيل خط إنتاج، أو إغلاق محطة طاقة.
وهذه هي النقطة التي تجعل الهجوم على محطة بريطانية صغيرة حدثًا يستحق المتابعة.
لأن حجم الهدف كان صغيرًا.
أما القدرة التي تم إثباتها، فقد تكون أكبر بكثير.



